إنت حبيت نفسك يا أحمد، وما حبتنيش". أحمد اتوسل لها بصوت مكسور: "يا هناء عشان خاطر اللي في بطنك.. بلاش تقسي عليا كده، أنا أبو العيل ده!".
تدخلت أنا في اللحظة دي ووقفت بينه وبينها، وقلتله بقوة: "أحمد.. كفاية. البنت تعبانة والضغط ده خطر على البيبي. إنت اخترت طريقك يوم الخميس اللي فات، وهي اختارت هدوءها وصحتها وصحة ابنها. سيبها دلوقتي ترتاح، والكلام ده مش وقته خالص".
أحمد بصلنا إحنا الاتنين، وحس لأول مرة في حياته إنه غريب بين أهله، إنه خسر أخته ومراته واللي في بطنها بسبب أنانيته وعجلته. خرج من البيت يجر أذيال الخيبة، ووشه مهزوم بشكل يكسر القلب، بس كان فوات الأوان خلاص.
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد كان بييجي كل يوم يقف تحت البيت، يبعت علاج وأكل مع أمي، يحاول يكلم هناء في التليفون بس هي كانت قافلة كل الأبواب. طلّق مراته الجديدة بعد أقل من شهرين من الجواز، لما اكتشف إن حياته معاها مستحيلة، وإن الندم على هناء بيأكل في جسمه زي السرطان. بقى يقعد في بيته البعيد لوحده، البيت اللي بناه عشان يبدأ فيه حياة جديدة، بقى هو سجنه العالي اللي بيتعذب فيه كل ليلة.
هناء كانت بتكبر بطنها يوم عن يوم، ومع كل حركة للبيبي، كان أملها في الحياة بيزيد وصابتها قوة غريبة. بدأت تهتم بنفسها، وعيالي كانوا حواليها طوال الوقت، البيئة الهادية في بيتي خلت حملها يستقر بالرغم من كل الظروف النفسية الصعبة. وفي الشهر السابع، جه والد هناء وإخواتها من البلد بعد ما عرفوا بالحمل وباللي عمله أحمد.
دخلوا بيتي وهما ناويين ياخدوا بنتهم ويرجعوا بيها بلدهم، وكان موقفهم حاسم: "بنتنا مش هترجع للرجل اللي باعها في أزمتها، والطفل ده هيتربى في وسطنا معزز مكرم".
أحمد لما عرف إن أهلها جم عشان ياخدوها، طار على بيتي وجاب أمي ومعاه كبار العيلة، وقعدوا كلهم في الصالة. كانت قعدة مصيرية تقرر شكل المستقبل. أحمد قعد قدام أبو هناء وهو مهزوم، وقال بنبرة ترجي: "يا عمي حقك عليا، وأنا جزمتكم فوق رأسي.
أنا غلطت وغلطة عمري إني استعجلت، بس هناء مراتي وده ابني، ومستحيل أسمح إنهم يبعدوا عني. أنا طلقت التانية وعايش في حسرة، ومستعد أكتبلها البيت باسمها وأعمل كل اللي تطلبوه بس ترجعلي".
والد هناء بصل بجمود وقال: "البيوت مابتتبنيش بالفلوس والأوراق يا أحمد.. البيوت بتتبي بالأصل والأمانة. إنت ما صنتش أمانتك لما البنت صبرت معاك على الفقر والتعب، ولما ربنا فتحها عليك استخصرت فيها الصبر والدكاترة. بنتي مش هترجعلك بكلمة ندم".
الصمت خيم على المكان، والكل كان مستني كلمة واحدة.. كلمة هناء. خرجت هناء من أوضتها، خطواتها كانت ثقيلة بسبب الحمل بس حاسمة. وقفت قدام الكل، وبصت لـ أحمد اللي كانت عينيه مليانة دموع ورجاء كأنه مستني كلمة العفو.
بصت لأبوها وقالت: "يا بابا.. أحمد جوزي، وأنا عمري ما نسيتله الأيام الحلوة، بس برضه عمري ما هنسى اللحظة اللي سابني فيها أتعصر بدموعي وهو رايح يتجوز". وبعدين بصت لـ أحمد مباشرة وقالت كلمة هزت الصالة كلها: "أنا مش هسافر مع أهلي يا أحمد.. وهفضل هنا في بيت اختك مروة لحد ما أولد بسلامة الله، بس شرطي عشان أفكر مجرد تفكير إننا نرجع...". الجزء الرابع


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.