وصلنا المستشفى، وكانت الحالة حتة من الجحيم. الدكاترة دخلوا هناء بسرعة على أوضة العمليات لأن الضغط كان مرتفع جداً والولادة كانت متعثرة. أحمد وقف قدام باب العمليات كأنه مجذوب، يضرب رأسه في الحيطة ويدعي ربنا وهو بينتحب: "يارب خذ من عمري واديها.. يارب ما تحرمنيش منها، يارب أنا أذنبت وغلطت وهي ملهاش ذنب، نجيهالي يارب!". مرت ساعتين كاملين كانهم دهر، وفجأة خرج الدكتور من أوضة العمليات وهو بيقلع الكمامة، ووشه باين عليه التعب الشديد.
أحمد جري عليه ومسك في البالطو بتاعه بانهيار: "طمني يا دكتور! مراتي جرالها إيه؟! هناء عايشة؟!". الدكتور بصلنا بنبرة جادة جداً وقلق هز أركاننا: "الحالة كانت معقدة جداً والضغط كان عالي وتسبب في مضاعفات شديدة أثناء الولادة.. إحنا قدرنا ننقذ الطفل الحمد لله، بس المدام...". حكايات رومانى مكرم الجزء الخامس (قبل الأخير) وقعت الكلمة على أحمد زي الصاعقة، اتسمر في مكانه، وعينيه اتسعت برعب قاتل، مسك الدكتور من بالطوه بأيد بتترعش وصصرخ بنبرة هيسترية هزت المستشفى كلها: "بس إيه يا دكتور؟
! هناء جرى لها إيه؟! قول إنها كويسة، أرجوك قولي إنها مسبتنيش!".
الدكتور حاول يهديه وبصلي وأنا بصرخ وببكي جنب أحمد، وقال بنبرة سريعة: "اهدى يا أستاذ! المدام عايشة الحمد لله، بس جاتلها نوبة هبوط حاد وزيادة في الرقع الدموي بسبب توتر الأعصاب الشديد أثناء الجراحة، ودلوقتي هي في أوضة العناية المركزة تحت الملاحظة. الساعات الجاية دي حاسمة جداً ونبضها لازم يستقر.
. ادعولها". في اللحظة دي، الممرضة خرجت وهي شايلة طفل صغير ملفوف بفوطة بيضاء، جميله زي الفلقة، عينيه مقفولة وبيصرخ بصوت ضعيف يقطع القلب. الممرضة قربت من أحمد وقالت بإبتسامة هادية: "ألف مبروك يا أستاذ.. جالك ولد زي القمر، يتربى في عزك".
أحمد بص للطفل، وعينيه مليانة دموع، بس ممدش إيده ياخده. رفض يشيله! بص للممرضة وصوته مخنوق من البكاء: "خدي العيل ده جوه.. أنا مش عايز أشوفه ولا أشيله غير لما أمه تخرج معايا على رجليها. أنا مش عايز حاجة من الدنيا دي غير هناء.. يارب خذ عمري واديها هي، يارب ما تحرمنيش منها!".
المنظر كان يهد الجبال. أحمد اللي كان هيتجنن على عيل ويشوف ذريته، رفض يلمس ابنه في أول لحظة في عمره لأن الست اللي جابته كانت بين الحياة والموت. قعد أحمد على الأرض قدام باب العناية المركزة، سانداً رأسه على الحيطة وبيبكي بكسرة وندم عمري ما شوفت زيها.
بقى يكلم نفسه ويناجي ربنا: "يا هديتني بكرمك وفضلك، ما تعاقبنيش في أغلى حاجة عندي.. أنا كنت أعمى وبصيت تحت رجلي، هي اللي صانتني وشالتني في فقري، بلاش تحرمني منها بعد ما ربنا جبر بخاطرنا".
مرت ساعات الليل ثقيلة زي الدهر. البرد كان ينخر في العظام، وأحمد رافض يتحرك من مكان، رافض يشرب بق مية أو يقعد على كرسي. مسك سبحته وبقى يقعد ويقوم ويدعي ويستغفر. وأنا كنت قاعدة جنبه، شايلة الطفل الصغير بين إيديا، بدمعه وبدعي ربنا يرد لإخويا وعقله روحه وثباته.
على الفجر، خرج دكتور العناية وهو بيعدل نظارته، ملامح وشه كانت أهدى كتير من بالليل. أحمد اتصلب في مكانه وجري عليه وهو حاطط إيده على قلبه: "طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إنها فاقت!".


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.